فخر الدين الرازي
150
تفسير الرازي
تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، إلا أنه جيء بصيغة النهي مبالغة في نفي اختصاص الفتنة بالظالمين كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص . وقيل لها لا تصيبي الذين ظلموا خاصة ، والمراد منه : المبالغة في عدم الاختصاص على سبيل الاستعارة . ثم قال تعالى : * ( واعلموا أن الله شديد العقاب ) * والمراد منه : الحث على لزوم الاستقامة خوفاً من عقاب الله . فإن قيل : حاصل الكلام في الآية أنه تعالى يخوفهم من عذاب لو نزل لعم المذنب وغيره ، وكيف يليق برحمة الرحيم الحكيم أن يوصل الفتنة والعذاب إلى من لم يذنب ؟ قلنا : إنه تعالى قد ينزل الموت والفقر والعمى والزمانة بعبده ابتداء ، إما لأنه يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكية ، أو لأنه تعالى علم اشتمال ذلك على نوع من أنواع الصلاح على اختلاف المذهبين ، وإذا جاز ذلك لأحد هذين الوجهين فكذا ههنا . والله أعلم . * ( وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى الاَْرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما أمرهم بطاعة الله وطاعة الرسول ، ثم أمرهم باتقاء المعصية ، أكد ذلك التكليف بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى بين أنهم كانوا قبل ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية القلة والذلة ، وبعد ظهوره صاروا في غاية العزة والرفعة ، وذلك يوجب عليهم الطاعة وترك المخالفة . أما بيان الأحوال التي كانوا عليها قبل ظهور محمد فمن وجوه : أولها : أنهم كانوا قليلين في العدد . وثانيها : أنهم كانوا مستضعفين ، والمراد أن غيرهم يستضعفهم ، والمراد من هذا الاستضعاف أنهم كانوا يخافون أن يتخطفهم الناس . والمعنى : أنهم كانوا إذا خرجوا من بلدهم خافوا أن يتخطفهم العرب ، لأنهم كانوا يخافون من مشركي العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم ، ثم بين تعالى أنهم بعد أن كانوا كذلك قلبت تلك الأحوال بالسعادات والخيرات ، فأولها : أنه آواهم والمراد منه أنه تعالى نقلهم إلى المدينة ، فصاروا آمنين من شر الكفار ، وثانيها : قوله : * ( وأيدكم بنصره ) * والمراد منه وجوه النصر في يوم بدر ، وثالثها : قوله : * ( ورزقكم من الطيبات ) * وهو أنه تعالى